تعاليم الكابالا وماهيّتها
ما هي حكمة الكابالا؟
حكمة الكابالا، في مجموعها، هي شأنُ انكشافٍ إلهيّ، منظَّم في طرائقه بجميع وجوهه ومراحله، ممّا قد انكشف في العوالم، وممّا هو معدٌّ لأن ينكشف، وبجميع الأساليب التي يمكن — في بعض الأحيان — أن يتحقّق بها الانكشاف في العوالم، إلى نهاية جميع الأجيال.
غاية الخلق
إذ إنّه لا يوجد فاعل بلا غايةٍ لما يفعل، فمن المؤكّد إذن أنّ للخالق غايةً في هذا الخلق الذي أمامنا.
وبما أنّ الأهمّ في هذه الحقيقة المتعدّدة الوجوه كلّها هو الإحساس الممنوح لجنس الكائنات الحيّة، حيث إنّ كلّ فردٍ منها يشعر بوجوده الذاتي، وبما أنّ أسمى أنواع الإحساس هو الإحساس العقلي، الممنوح للإنسان وحده، الذي بواسطته يشعر أيضًا بكلّ ما في غيره، من آلامهم وتعزياتهم؛ فمن المؤكّد إذن، إن وُجدت للخالق غايةٌ في هذا الخلق، فإنّ حامل هذه الغاية هو الإنسان.
وعليه قيل: «كلُّ ما صنعه الربّ فلغايته».
ولا يزال ينبغي الفهم: لأيّ حاجةٍ أقام الخالق كلَّ هذا البناء المهيب؟
إنّما كان ذلك من أجل رفع الإنسان إلى مرتبةٍ أسمى وأكثر شرفًا وأهميّة، بحيث يشعر بإلهه، كما يشعر الإحساسَ الإنسانيّ الذي مُنِح له أصلًا.
وكما أنّه يعرف ويشعر برغبات صاحبه، كذلك يعقل طرق الحقّ تعالى… كما كُتب عن سيدنا موسى عليه السلام:
«وكَلَّمَ الربُّ موسى وجهًا لوجه، كما يُكلِّم الإنسانُ صاحبَه».
وكلُّ إنسانٍ يمكنه أن يكون كموسى عليه السلام، كما هو معلوم.
ولا شكّ على الإطلاق أنّ كلَّ من يتأمّل في التطوّر القائم في هذا الخلق الذي أمامنا، يدرك ويتبيّن له اللذّة العظيمة للفاعل، إذ إنّ فعله يسير ويتطوّر، إلى أن تُكتسب تلك الإحساسات العجيبة، التي تُمكّن الإنسان من أن يتحدّث ويتعامل مع إلهه، كما يُكلِّم الإنسانُ صاحبَه.
من الأعلى إلى الأسفل
من المعلوم أنّ نهاية الفعل تكون في الفكرة أوّلًا؛ فالإنسان، قبل أن يبدأ بالتفكير في كيفيّة بناء بيت، يرفع في فكره أوّلًا شأن السكن في البيت، وهو الغاية. ثمّ بعد ذلك يتأمّل في مخطّط البناء ليكون ملائمًا لهذه الغاية.
وهكذا هو شأننا هنا: فبعد أن تبيّن لنا شرح الغاية، يتبيّن لنا معها أنّ جميع نظم الخلق، في كلّ جوانبها ومداخلها ومخارجها، قد أُعدّت ونُظّمت سلفًا، إنّما وفق هذه الغاية وحدها:
أن يتطوّر منها الجنس الإنساني، ويرتقي في درجاته، حتّى يصبح مؤهّلًا لإحساس الألوهيّة، كما يحسّ الإنسانُ بصاحبه.
إنّ هذه المراتب هي كدرجات سلّم، مُرتَّبة ومُنظَّمة درجةً بعد درجة، إلى أن يكتمل الأمر ويبلغ غايته.
واعلم أنّ كمّيّة هذه الدرجات ونوعيّتها تنتظمان في وجودين اثنين، وهما:
أوّلًا: وجود الموادّ الجسميّة.
ثانيًا: وجود المعاني العقليّة الروحيّة.
وبلغة الكابالا يُسمَّيان: من الأعلى إلى الأسفل، ومن الأسفل إلى الأعلى.
أي إنّ وجود المادّيّات الجسميّة هو ترتيب لانكشاف نوره تعالى من الأعلى إلى الأسفل؛
ابتداءً من المصدر الأوّل الذي قُطِعَت منه مقادير وكميّات من النور من ذاته تعالى،
ثمّ مجيئه عبر تقليصاتٍ متتابعة، تقليصًا بعد تقليص، إلى أن تَكَوَّن منه عالمٌ مادّيّ، ومخلوقاتٌ جسميّة في أدنى أسفل مراتبه.
من الأسفل إلى الأعلى
ثمّ يبدأ بعد ذلك ترتيبُ من الأسفل إلى الأعلى، وهي جميع درجات السلّم الذي يتطوّر عليه الجنس الإنساني، فيتسلّق ويرتقي، إلى أن يبلغ غاية الخلق، كما بُيِّن أعلاه.
وهذان الوجودان كلاهما، بجميع ما يعتريهما من أحوال وتفاصيل، مبيَّنان شرحًا وافيًا في حكمة الكابالا.
مسألة وجوب تعلّم الكابالا
قد يقول المعترض: إذا كان الأمر كذلك، فإنّ هذه الحكمة كلّها هي شأنٌ يخصّ أولئك الذين قد نالوا بالفعل درجةً ما من الانكشاف الإلهي. فأيّ إلزامٍ أو حاجة يمكن أن تكون لعامة الناس في معرفة هذه الحكمة السامية؟
غير أنّ هناك رأيًا عامًّا شائعًا ومتداولًا بين الجمهور، مفاده أنّ المقصد الأساسي من التوراة والدين إنّما هو تهذيب العمل فحسب، وأنّ كلّ المطلوب متوقّف على القيام بالوصايا العمليّة، من دون أيّ أمرٍ إضافيّ يرافقها أو يترتّب عليها أو ينبثق منها.
ولو كان الأمر كذلك فعلًا، لكانت أقوال من يقول إنّ الاكتفاء بتعلّم الظاهر وحده، في المسائل المتعلّقة بالعمل، أقوالًا في محلّها بلا شكّ.
لكنّ الأمر ليس كذلك؛ فقد قال حكماؤنا:
«وما الذي يهمّ القدّوسَ المبارك، أذبحَ من العنق كان أم من القفا؟ إنّما لم تُعطَ الوصايا إلا لتنقية الخلائق بها».
فهنا يتبيّن أمامك أنّ هناك غايةً أخرى بعد القيام بالأعمال العمليّة، وأنّ العمل ليس إلا تهيئةً محضة لتلك الغاية.
وعليه، فمن البديهي أنّه إذا لم تكن الأعمال مرتَّبة وموجَّهة نحو الغاية المطلوبة، فكأنّ الإنسان لم يفعل شيئًا أصلًا.
وكذلك قالوا في الزوهار: «الوصيّة بلا نيّة كالجسد بلا روح».
إذًا، لا بدّ من أن تُلازم النيّةُ العملَ.
ويُفهم أيضًا أنّ النيّة يجب أن تكون نيّةً حقيقيّة، صالحةً للعمل وجديرةً به.
وذلك على نحو ما قاله حكماؤنا في تفسير الآية: «وأُفرِزُكم من بين الشعوب لتكونوا لي»، أي: ليكن تمييزكم من أجلي،
فلا يقل الإنسان: لا أرغب في لحم الخنزير، بل ليقل: أرغب فيه، ولكن ماذا أفعل؟ إنّ أبي الذي في السماوات قد حرّمه عليّ.
فمن يتجنّب الخنزير بسبب قذارته، أو لما فيه من ضررٍ جسديّ، فإنّ هذه النيّة لا تنفعه شيئًا ليُعدّ قائمًا بالوصيّة،
وإنّما يُعدّ كذلك فقط إذا قصد النيّة المطلوبة والمخصوصة، أي لأنّ التوراة قد حرّمته.
وهكذا في كلّ الوصايا - ميتزفوت؛ وعندئذٍ فقط يبدأ الجسد بالترقّي والتصفية، نتيجة القيام بالوصايا، وهو المقصد المنشود.
وعليه، لا يكفينا تعلّم أساليب العمل الظاهرة وحدها؛ إذ ينبغي لنا أن نتعلّم أيضًا تلك الأمور التي تُفضي إلى النيّة المطلوبة، لكي نُقيم كلّ أمرٍ انطلاقًا من إيماننا بالتوراة وبمانح التوراة، مع الإيمان بأنّ هناك حكمًا وحاكمًا.
ومن ذا الذي لا يفهم، إلا من كان ساذجًا، أنّ الإيمان بالتوراة، وبالثواب والعقاب—وهما خاصيّة ووسيلة لهذا الأمر العظيم—يستدعيان دراسةً واسعة في الكتب الملائمة؟
وبناءً عليه، فقبل العمل نفسه، نحن بحاجة إلى دراساتٍ تُنقّي الجسد وتهذّبه، ليتهيّأ للإيمان بالربّ، وبشريعته، وبعنايته وإشرافه.
وعلى هذا قال حكماؤنا: «خلقتُ الميلَ الشرير، وخلقتُ له التوراةَ توابل (دواءً مُصلِحًا) ولم يقولوا: خلقتُ له الوصايا توابل؛
لأنّ الضامنَ يحتاج إلى ضامن، إذ إنّ الميلَ الشرير، المائلَ إلى الانفلات ونزع النير، لا يَدَعُ الإنسانَ يُقيم الوصايا»
التوراةُ توابل
إنّ التوراة وحدها هي التوابلُ الخاصّة لإبطال الميْل الشرير وإخضاعه وقهره، وهو ما قصده حكماؤنا بقولهم: «النورُ الذي فيها كان يُعيدهم إلى الصواب».
معظم أقوال التوراة موجّهة للتأمّل
وبهذا يتّضح سبب الإطالة في التوراة في تلك الأقسام التي لا تتعلّق بالعمل المباشر، بل هي للتأمّل والدراسة؛ أي كمقدّمة لعمل الخلق، وهي تشمل سِفر التكوين كلّه، وسِفر الخروج، ومعظم سِفر التثنية، فضلًا عن القصص والأغاداه والمدراشيم.
فليس ذلك إلا لأنّ جوهر النور كامِن فيها ومختوم بها؛ ومن خلالها يتزكّى الجسد، ويُخضَع الميْل الشرير، ويبلغ الإنسان الإيمانَ بالتوراة، وبالثواب والعقاب، وهي الدرجة الأولى في إقامة العمل الروحي، كما تمّ بيانه.
الوصيّةُ سِراجٌ، والتوراةُ نورٌ
ولهذا قيل: «الوصيّةُ سِراجٌ، والتوراةُ نورٌ»؛
فكما أنّ من يملك سُرُجًا ولا يملك نورًا يُشعلها به، يبقى جالسًا في الظلام، كذلك من تكون الوصايا في يده، ولا تكون التوراة فيه، فإنّه يبقى جالسًا في العتمة؛ لأنّ التوراة هي النور، وبها تُوقَد السُّرُج وتُضاء الظلمة الكامنة في الجسد، كما تقدّم بيانه.
ليست جميع فِقَرات التوراة متساوية في مقدار النور
فبناءً على الخاصيّة المذكورة في التوراة، أي بالنظر إلى مقدار النور الكامن فيها، يتبيّن بالضرورة أنّ التوراة تنقسم إلى درجات، وذلك بحسب مقدار النور الذي يكون الإنسان قادرًا على تلقّيه من دراستها.
ومن الواضح أنّ الإنسان، حين يتفكّر ويتأمّل في أقوال التوراة المتعلّقة بانكشاف الربّ لآبائنا وما شابه ذلك، فإنّها تمنح المتأمّل نورًا أعظم ممّا تمنحه له التأمّلات في الشؤون العمليّة، وإن كانت هذه الأخيرة أهمّ من حيث العمل والتطبيق.
أمّا من حيث النور، فلا شكّ أنّ انكشاف الربّ لآبائنا أعظم شأنًا.
وهذا ما يقرّ به كلّ مستقيمي القلب، ممّن جرّبوا أن يطلبوا النور ويتلقّوه من التوراة.
وجوب الحكمة وطريقة انتشارها
وبما أنّ حكمة الكابالا بأسرها تتحدّث في سرّ انكشاف الربّ، فمن البديهي أنّه لا توجد حكمة أسمى ولا أنجح منها في خاصيّتها وتأثيرها.
وإلى هذا قصد أصحاب الكابالا حين سعَوا إلى ترتيبها وصياغتها بحيث تكون صالحة للاشتغال بها.
وهكذا جلسوا واشتغلوا بها إلى زمن إخفائها (ولسببٍ معلوم تمّ الاتّفاق على إخفائها).
غير أنّ هذا الإخفاء لم يكن إلا لزمانٍ معيّن، لا – حاشا – إلى الأبد،
كما ورد في الزوهار:
«مستقبِلًا ستنكشف هذه الحكمة في آخر الأيّام، حتّى لتلاميذ المدارس»، انتهى كلامه.
ويَنتج ممّا تقدّم في كلامنا أنّ أمر هذه الحكمة المذكورة غيرُ محصورٍ إطلاقًا في لغة حكمة الكابالا، لأنّ جوهرها هو نورٌ روحيّ يخرج وينكشف من ذاته تعالى، على سرّ ما ورد في الآية: «أَتُرسِلُ البروقَ فتذهبُ وتقولُ لك: ها نحنُ»؛
أي وفق الطريقين المذكورين آنفًا:
من الأعلى إلى الأسفل، ومن الأسفل إلى الأعلى.
وهذه الأمور والمراتب تأتي وتنتشر وفق لغةٍ ملائمةٍ لها، وهي في الحقيقة جميع كيانات المخلوقات وسُنَنها في هذا العالم، إذ إنّها فروعها.
وذلك كما قيل: «ليس لك عشبٌ في الأسفل إلا وله مَلَاكٌ في الأعلى (أي قوّة مُرسَلة) في الأعلى يضربه ويقول له: أنمُو»؛
أي أنّ العوالم تخرج وتُنقَش واحدةً من الأخرى، كـ الخاتِم والمختوم، وكلّ ما يجري في ذاك يجري في هذا.
إلى أن نصل إلى العالم المادّي، وهو آخر فروعها، غير أنّه يشتمل على العالم الأعلى منه، كما يشتمل المختوم على أثر الخاتِم.
وبهذا يسهل إدراك أنّه لا يمكن الحديث عن العوالم العُليا إلا من خلال فروعها المادّية السفلى المنبثقة عنها،
أو من خلال أنماط التدبير، وهو لسان التناخ، أو من خلال العلوم الخارجيّة، أو من خلال المخلوقات نفسها، وهو لسان الكاباليّين،
أو من خلال أسماءٍ اصطلاحيّة متَّفَق عليها، وهو الأسلوب الذي كان معمولًا به في كابالا الجاؤونيم (التقاليد الكاباليّة في القرون الأولى بعد التلمود) منذ زمن إخفاء الزوهار.
وقد تبيّن ممّا سبق أنّ مسألة انكشاف الربّ ليست شأنَ انكشافٍ يقع دفعةً واحدة،
بل هي أمرٌ يتكشّف ويتجلّى على امتداد زمنٍ كافٍ لانكشاف جميع المراتب العظيمة التي تتجلّى من الأعلى إلى الأسفل، ومن الأسفل إلى الأعلى.
وعلى جميعها، في نهايتها، يتجلّى الربّ لهم.
وذلك شبيهٌ بإنسانٍ عليمٍ بجميع البلدان وبمخلوقات العالم؛ إذ لا يستطيع أن يقول إنّ العالم كلَّه قد انكشف له، ما لم يُتمّ نظره وتأمّله في آخر المخلوقات وآخر البلدان. وما دام لم يبلغ ذلك، فإنّه لم يُدرِك العالم كلَّه بعد.
وهكذا فإنّ إدراك الحقّ تعالى إنّما يتمّ عبر طرقٍ مُهيّأة سلفًا، ولا بدّ لطالب هذا الإدراك أن يُحصِّل جميع هذه الطرق، في العوالم العُليا والسُّفلى معًا.
ومن المفهوم أنّ العوالم العُليا هي الأساس في هذا الشأن، غير أنّ الإدراك يقع فيها جميعًا في آنٍ واحد، لأنّه لا اختلاف بينها في الصُّوَر، وإنّما الاختلاف هو في المادّة؛ فمادّة العالم الأعلى هي مادّة أشدّ صفاءً.
أمّا الصُّوَر، فإنّها تُختَم بعضها من بعض؛ وكلّ ما يوجد في عالمٍ أعلى، يوجد بالضرورة في جميع العوالم التي تحته،
لأنّ الأدنى مختومٌ عنه.
واعلم أنّ هذه الوجودات وتدبيراتها التي يُدركها طالب الحقّ، هي التي تُسمّى الدرجات، لأنّها مُرتَّبة في الإدراك بعضها فوق بعض،
كدرجات السُّلَّم.
تعبيرات روحيّة
إنّ الروحيّ لا شَبَهَ له، ولذلك لا حروفَ تُنطَق به.
وحتى إذا قيل عنه على وجه الإجمال إنّه نورٌ بسيط، ينزل وينسحب إلى الطالب، إلى أن يلبسه ويدركه بالمقدار الكافي لانكشافه تعالى—فإنّ هذا أيضًا تعبيرٌ مجازيّ؛ إذ إنّ كلّ ما يُسمّى في العالم الروحي «نورًا» لا يُشبه نورَ الشمس ولا نورَ السراج.
وما نُسمّيه في العالم الروحي «نورًا» إنّما هو استعارةٌ من العقل الإنساني؛ لأنّ من طبيعته، حين يظهر في الإنسان مع انحلال الشكوك، أن يكشف فيضًا شبيهًا بالنور واللذّة في كامل قامة الجسد.
ولهذا نقول أحيانًا: نور العقل، مع أنّ هذا التعبير ليس حقيقةً حرفيّة.
فالضوء الذي يُنير تلك الأجزاء من مادّة الجسد، التي ليست أهلاً لتلقّي التأمّلات المحلولة، هو بلا شكّ أدنى من العقل؛
ولذلك فإنّ الأعضاء السفلى والأقلّ شأنًا تستطيع هي أيضًا أن تتلقّاه وتدركه.
ومع ذلك كلّه، ولأجل أن نتمكّن من إطلاق اسمٍ ما على العقل، فإنّنا نسمّيه لهذا السبب «نور العقل».
وعلى هذا النحو نفسه تمامًا، نُطلق على تفاصيل الوجود في العوالم العُليا اسم «أنوار» لأنّها تجلب لمن يُدركها فيضًا من النور واللذّة إلى كامل قامة الجسد، من الرأس إلى القدمين.
ولهذا السبب أيضًا، يَحِقّ لنا أن نسمّي المُدرك باسم «التلبُّس» لأنّه قد تلبّس بذلك النور.
ولا يُعترَض هنا بالقول: لو كان الأمر كذلك، لكان الأَولى أن تُسمّى هذه الأمور بأسماءٍ جاريةٍ في طرائق العقل، مثل: تفكّر، إدراك، وما شابه ذلك، أو أن يُعبَّر عنها بتعابير تُبرز ظواهر العقل التأمّلي.
والجواب أنّه لا مشابهة لها أصلًا مع طرائق ظواهر العقل؛ لأنّ العقل فرعٌ خاصّ ومحدَّد، قائم بين سائر الجزئيّات الموجودة في الواقع،
ولهذا فله طرائق خاصّة في كيفيّة ظهوره وعمله.
أمّا الأمور الواقعة في الدرجات، فلِكونها كُلًّا شاملًا يضمّ جميع الجزئيّات الموجودة في العالم، فإنّ لكلّ جزئيٍّ منها طرائق مختلفة عن غيره.
ولهذا فإنّ إدراك الأمور الواقعة في الدرجات يشبه في الغالب إدراك الأجسام الحيّة؛ أي إنّ الإنسان، حين يُدرِك ماهيّةً ما، فإنّه يُدرِكها بتمامها، من رأسها إلى آخرها.
وإذا حَكَمنا وفق قوانين العقل التأمّلي، لوجب علينا أن نقول إنّ الإنسان قد أدرك كلّ ما يمكن إدراكه في تلك الماهيّة، وأنّه ولو ظلّ يتأمّل فيها ألف سنة، لما أضاف إلى إدراكه مقدار شعرة واحدة.
ومع ذلك، ففي بدايته يكون حاله كحال من يرى كلّ شيء ولا يفهم شيئًا ممّا يراه.
غير أنّه، مع مُضيّ زمنٍ لا بدّ منه، يُلزَم بأن يُدرك أمورًا إضافيّة، على نحوٍ يُشبه مراحل الحمل، ثمّ الرضاعة، ثمّ اكتمال العقول، بل وحملًا ثانيًا أيضًا؛ وعندئذٍ يبدأ بالإحساس بإدراكاته واستعمالها في كلّ ما يشاء.
والحقيقة أنّه لم يُضِف شيئًا إلى إدراكه عمّا أدركه في البداية، وإنّما كان الفرق في تمام النضج؛ ففي البدء كان الأمر قبل نضجه، ولذلك لم يكن قادرًا على فهمه، أمّا الآن فقد اكتمل نضجه.
وهنا ترى الفارق العظيم بين هذا المسار وبين طرائق الظواهر العقليّة؛ ولهذا لا تكفينا التعريفات التي اعتدنا استعمالها في شأن ظواهر العقل، ونُضطرّ إلى استعمال الطرائق الجارية في الموادّ الجسميّة، لأنّها—على الأقلّ—متماثلة معها في الصُّوَر تمامًا، وإن كانت بعيدةً عنها في المادّة غاية البُعد.
أربعُ لغاتٍ تُستَخدَم في حكمة الحقّ
تُستَخدَم أربعُ لغات في حكمة الحقّ، وهي:
-
لغة التناخ، مع أسمائه وألقابه.
-
لغة الهالاخاه (الشريعة)، وهي لغة قريبة جدًّا من لغة التناخ.
-
لغة الأغاداه، وهي بعيدة تمامًا عن التناخ، إذ إنّها لا تراعي الواقع إطلاقًا؛ ولذلك تُنسَب إليها أسماءٌ وألقابٌ غريبة، كما أنّها لا تتناول المفاهيم على أساس الجذر وفرعه.
-
لغة السِّفيروت والبرتصوفيم (الهيئات)
وعمومًا، كانت هناك نزعةٌ قويّة لدى أصحاب هذه الحكمة إلى إخفائها عن الغارقين في المادّة، لأنّهم يرون أنّ الحكمة والأخلاق يسيران معًا.
ولذلك عمد الحكماء الأوائل إلى إخفاء الحكمة في الكتابة، فجعلوها على هيئة خطوطٍ ونقاط، وسقفٍ ورِجل؛ ومن ذلك وُلِدت وتشكَّلت الألفباء في صورتها المعروفة اليوم، أي الحروف الاثنتان والعشرون.
لغةُ التناخ
لغةُ التناخ هي اللغةُ الأساسيّة والجذريّة، وهي شديدةُ الملاءمة لوظيفتها، لأنّها في الغالب تقوم على علاقة الجذر والفرع، وهي أسهلُ اللغات فهمًا. وهذه اللغة هي الأقدم، وهي سرّ لغة القُدس (لِشون هاقودِش) المنسوبة إلى آدم الأوّل.
ولهذه اللغة ميزتان ونقيصة واحدة:
-
الميزة الأولى: أنّها سهلةُ الفهم، حتّى إنّ المبتدئين في الإدراكات يفهمون منها فورًا كلّ ما يلزمهم.
-
الميزة الثانية: أنّ الموضوعات تُشرَح بواسطتها بسَعةٍ وعمقٍ أكثر من سائر اللغات.
-
النقيصة: أنّه لا يمكن استعمالها في الأمور الجزئيّة الدقيقة، ولا في علاقات التقدُّم والتأخُّر؛
ذلك لأنّ كلّ أمرٍ لا بدّ من شرحه في إطاره الكامل والشامل، إذ لا تُلزِم اللغةُ نفسها بتحديد أيّ جزئيّة بعينها يجري الحديث عنها، إلا بعرض الموضوع برمّته.
ولهذا، فإنّ إبرازَ أدقّ تفصيلٍ يتطلّب عرض مقطعٍ كامل بسببه،
ومن هنا فهي غيرُ صالحة للجزئيّات الصغيرة، ولا لبيان علاقات «قبل وبعد».
ولهذا السبب أيضًا، أُخذت لغةُ الصلوات والبركات من لغة التناخ.
لغةُ الهالاخاه (الشريعة)
لغةُ الهالاخاه ليست لغةَ الوجود ذاته، بل لغةَ تحقّق الوجود.
فهذه اللغة مأخوذة كلّها من لغة التناخ، وفق جذور الأحكام الواردة فيه.
ولها ميزة واحدة على لغة التناخ، وهي أنّها تُوسّع كثيرًا في كلّ مسألة ومسألة، وتُظهر من خلالها الجذور العُليا بدقّةٍ أكبر.
غير أنّ لها، في المقابل، نقيصةً كبيرة قياسًا بلغة التناخ، وهي أنّها شديدةُ الصعوبة في الفهم، بل هي أصعبُ اللغات كلّها؛
ولا يدركها إلّا الحكيم الكامل، الذي يُوصَف بأنّه: «يدخل ويخرج بلا ابن» (أي: بلا تعلّقٍ أو تشويش)
ومن البديهي أنّ النقيصة الأولى موجودة فيها أيضًا، لأنّها مأخوذة أصلًا من لغة التناخ.
لغةُ الأغاداه
لغةُ الأغاداه سهلةُ الفهم، لما فيها من استعاراتٍ وبلاغاتٍ ملائمةٍ جدًّا للمعنى المقصود.
وإذا فُهِمَت فهمًا سطحيًّا، فهي أسهلُ من لغة التناخ نفسها.
غير أنّ فهمها على وجه الكمال صعبٌ جدًّا؛ وذلك لأنّها لا تلتزم إطلاقًا بالحديث وفق نظام الجذر والفرع، بل تعتمد فقط على بلاغة التعبير، بدقّةٍ وابتكارٍ بالغين.
ومع ذلك، فهي غنيّةٌ جدًّا في حلّ المفاهيم الغريبة والمعقّدة، فيما يتعلّق بماهيّة الدرجة وحالتها، وفق قيمتها الذاتيّة؛ وهي أمور يتعذّر شرحها بلغة التناخ أو بلغة الهالاخاه.
لغةُ الكاباليّين
لغةُ الكاباليّين هي لغةٌ حقيقيّة بالمعنى الكامل للكلمة، شديدةُ الدقّة، سواء في شأن الجذر والفرع، أم في شأن السابق واللاحق.
ولها ميزةٌ خاصّة، وهي إمكانيّة الحديث بها عن الجزئيّات وأدقّ الجزئيّات من دون أيّ تقييد.
كما تُمكِّن هذه اللغة من النفاذ مباشرةً إلى الجزئيّة المقصودة، من غير الحاجة إلى ربطها بما يسبقها أو بما يلحقها.
غير أنّه، مقابل هذه المزايا السامية كلّها التي تراها فيها، فإنّ لها نقصًا عظيمًا جدًّا، وهو شدّة صعوبتها في الإدراك، بل يكاد إدراكها يكون متعذّرًا، إلّا عن طريق حكيمٍ كاباليّ، أو عن طريق حكيمٍ يفهم من تلقاء نفسه.
أي إنّ الإنسان، حتّى لو فهم بعقله جميع تسلسل المراتب المذكورة—من الأسفل إلى الأعلى، ومن الأعلى إلى الأسفل— فإنّه، مع ذلك، لا يفهم شيئًا من هذه اللغة، ما لم يتلقَّها عن فم حكيم، حكيمٍ قد تلقّى هذه اللغة بدوره عن معلّمه وجهًا لوجه.
لغةُ الكابالا متضمَّنة في جميعها
اعلم أنّ الأسماء والألقاب والجِمَطريّات (الحسابات الحرفيّة) تنتمي كلّيًا إلى حكمة الكابالا، وإنّما سبب وجودها أيضًا في سائر اللغات هو أنّ جميع تلك اللغات مُندمجة في حكمة الكابالا؛ ذلك لأنّ هذه العناصر هي مفاهيم جزئيّة خاصّة لا بدّ لسائر اللغات من الاستعانة بها.
ولا ينبغي أن يُتصوَّر أنّ هذه اللغات الأربع التي تُستَخدَم لشرح حكمة الانكشاف الإلهي قد تطوّرت واحدةً بعد الأخرى وفق تسلسلٍ زمنيّ؛
بل الحقيقة أنّ الأربع كلّها قد انكشفت معًا على ألسنة حكماء الحقّ.
وفي الواقع، كلّ واحدةٍ منها متضمِّنةٌ للأخريات؛ فإنّ لغة الكابالا حاضرة أيضًا في التناخ، كما في: وقوف الصخرة، والثلاث عشرة صفة للرحمة الواردة في التوراة وفي ميخا، وهي—بدرجةٍ ما—محسوسة في كلّ آيةٍ وآية؛ وكذلك المركبات في إشعياء وحزقيال. وفوق الجميع نشيدُ الأنشاد، الذي هو كلّه لغةٌ كاباليّةٌ خالصة.
وعلى هذا النحو نفسه في الهالاخاه والأغاداه؛ ولا حاجة إلى الإكثار من القول في شأن الأسماء المقدّسة غير القابلة للمحو،
فهي تَرِد في جميع اللغات معًا بمعنى واحد.
ترتيب تطوّر اللغات
لكلّ أمرٍ تطوّرٌ تدريجيّ، واللغةُ الأسهل استعمالًا هي تلك التي اكتمل تطوّرها قبل غيرها زمنيًّا.
ولهذا كانت الباكورة الأولى في اللغة التناخيّة، لكونها الأسهل بين اللغات، وقد شاع استعمالها على نطاقٍ واسع.
ثمّ جاءت بعدها لغةُ الهالاخاه، لأنّها منطبعةٌ كلّيًا في اللغة التناخيّة، وفوق ذلك، لأنّ الحاجة دعت إلى استعمالها لتعليم الشعب الأحكام عمليًّا.
أمّا الثالثة فهي لغةُ الأغاداه؛ ومع أنّه يوجد فيها في مواضع غير قليلة شيءٌ من لغة التناخ، فإنّ ذلك إنّما هو بوصفها لغةً مُساعِدة،
إذ إنّ حدّتها البلاغيّة تُسرّع إدراك المعنى، غير أنّه لا يمكن استعمالها لغةً أساسيّة، لافتقارها إلى دقّة الجذر والفرع كما تقدّم،
ولذلك لم يَشِع استعمالها، وبما أنّها لم تشِع، لم تتطوّر.
ومع ذلك، فعلى الرغم من أنّ الأغاداه كانت في استعمالٍ واسع في زمن التنّائيم والأمورائيم، فإنّ هذا الاستعمال كان مشروطًا دائمًا بالارتكاز على لغة التناخ، كما جرت العادة في افتتاح أقوال الحكماء بقولهم: «افتتح ربي…»، ونحو ذلك من الصيغ.
وفي الحقيقة، فإنّ هذا الاتّساع في استعمال هذه اللغة في عصر الحكماء إنّما بدأ منذ زمن إخفاء لغة الكابالا كما ذُكر آنفًا،
أي حتّى في أيّام رابّي يوحنان بن زكّاي، وفي زمنٍ قريبٍ قليلًا من ذلك، أي سبعين سنة قبل خراب الهيكل، للسبب المذكور أعلاه—فافهم ذلك جيّدًا.
وأمّا آخرُ ما تطوّر من اللغات فهو لغةُ الكابالا، وذلك بسبب شدّة صعوبتها في الفهم، كما ذُكر آنفًا؛ إذ إنّه، بالإضافة إلى الإدراك، لا بدّ فيها أيضًا من تلَقّي معاني ألفاظها بالتلقّي المباشر.
ولهذا، حتّى أولئك الذين كانوا يفهمونها، لم يستطيعوا استعمالها؛ لأنّهم في الغالب كانوا أفرادًا معدودين في كلّ جيل، ولم يكن لهم مَن يدرسون معه أو يتداولون هذه اللغة.
وقد سمّى حكماؤنا هذه اللغة «أعمال المركبة» (Merkavah)، لأنّها لغةٌ خاصّة يمكن بواسطتها الحديث تفصيليًّا عن تراكيب الدرجات بعضها في بعض، ولا يمكن القيام بذلك بلغةٍ أخرى على الإطلاق.
لغةُ الكابالا تشبه كلَّ لغةٍ منطوقة، وتمتاز بتفوّقها في المعنى الكامن في الكلمة الواحدة
للوهلة الأولى قد تبدو لغةُ الكابالا كأنّها مزيجٌ من اللغات الثلاث المذكورة آنفًا. غير أنّ من يُحسن استعمالها يتيقّن أنّها لغةٌ مستقلّة بذاتها، من بدايتها إلى نهايتها.
وليس المقصود هنا هيئات الكلمات، بل دلالاتها؛ ففي هذا يكمن الفارق الجوهريّ بينها وبين سائر اللغات.
إذ في اللغات الثلاث السابقة، تكاد لا تكون للكلمة الواحدة دلالةٌ قائمة بذاتها، أي لا تُمكِّن القارئ من إدراك ما تشير إليه الكلمة وحدها،
ولا يُفهم معناها ومقصودها إلّا بتركيب عدّة كلمات معًا، وأحيانًا بمقاطع كاملة.
أمّا ميزة لغة الكابالا، فهي أنّ كلّ كلمةٍ فيها تكشف للقارئ مضمونها ودلالتها بدقّةٍ تامّة، تمامًا كما في لغات البشر المنطوقة،
حيث إنّ لكلّ كلمة حدًّا دلاليًّا دقيقًا لا يمكن استبدالها بغيرها.
نسيانُ الحكمة
منذ زمن إخفاء الزوهار، أخذت هذه اللغة العظيمة تُنسى شيئًا فشيئًا، وذلك بسبب قلّة المشتغلين بها، وحدوث انقطاعٍ لجيلٍ واحد،
إذ إنّ الحكيم المتلقّي لم يُسلّمها إلى متلقٍّ فاهم، ومنذ ذلك الحين نشأ نقصٌ لا يمكن إحصاؤه.
ويتّضح هذا الأمر جليًّا في شأن الكابالي رَابّي موسى دي ليون، الذي كان آخر من تمسّك بها، وعلى يده انكشف الزوهار للعالم؛
فإنّنا نرى بوضوح أنّه لم يفهم من هذه اللغة كلمةً واحدة. إذ إنّه في تلك الكتب التي يورد فيها مقاطع من كتاب الزوهار، يتبيّن أنّه لم يفهم اللغة إطلاقًا، لأنّه فسّرها وفق لغة التناخ، فخلط الفهم خلطًا شديدًا، على الرغم من أنّه نفسه كان صاحب إدراكٍ عجيبٍ للغاية،
كما تشهد بذلك مؤلّفاته.
وهكذا كان الحال على مدى أجيالٍ متعاقبة؛ إذ إنّ جميع أصحاب الإدراك قضَوا أعمارهم في محاولة فهم لغة الزوهار، غير أنّهم لم يهتدوا إلى طريقها، لأنّهم حمّلوها—بمشقّةٍ كبيرة—لغةَ التناخ، ولهذا بقي الكتاب عندهم مختومًا، كما كان الأمر عند رابّي موسى دي ليون نفسه.
كابالا الآريّ - لِذِكرِهِ البركة
إلى أن جاء الكاباليّ الفريد، الآريّ- لِذِكرِهِ البركة، الذي لم يكن لإدراكه حدٌّ ولا قيد، فهو الذي فتح لنا لغة الزوهار، وأعطانا مفاتيح السير فيها ومسالكها.
ولولا أنّه توفّي في عمرٍ قصير، لما أمكن تقدير مقدار النور الذي كان سيُستقى من الزوهار.
ومع ذلك، ففي القليل الذي حظينا به منه، أُعِدّ لنا طريقٌ ومدخل، ورجاءٌ صادق بأنّه على امتداد بضعة أجيال ستنفتح أذهاننا،
فنبلغ فهم الزوهار فهمًا كاملًا.
ومن هنا تفهم أيضًا لماذا أنّ جميع عظماء العالم الذين جاؤوا بعد الآريّ- لِذِكرِهِ البركة- قد وضعوا جانبًا كلّ الكتب التي ألّفوها في هذه الحكمة وفي شروح الزوهار، وكادوا يفرضون على أنفسهم حظرًا تامًّا على الرجوع إليها، وجعلوا خلاصة أعمارهم منصرفة إلى كلام الآريّ لِذِكرِهِ البركة وحده.
واعلم أنّ ذلك ليس لأنّهم لم يؤمنوا بقداسة الكاباليّين الذين سبقوا الآريّ، لِذِكرِهِ البركة—حاشا أن يُخطر هذا على البال.
فإنّ كلّ من له عينان في الحكمة يرى بوضوحٍ أنّه لا حدّ لإدراكات أولئك العظماء في حكمة الحقّ.
ولا يجرؤ على التشكيك فيهم إلّا جاهلٌ ساذجٌ فاقدُ البصيرة.
غير أنّ منهج تفكيرهم في الحكمة كان قائمًا على اللغات الثلاث السابقة؛ إذ إنّ كلّ لغةٍ منها صحيحةٌ وملائمةٌ في موضعها،
لكنّها غير ملائمة تمامًا—بل ومُضلِّلة جدًّا—لفهم نُظُم حكمة الكابالا المكنونة في الزوهار، لأنّ لغة الزوهار لغةٌ مغايرة من الأساس، اختلافًا جذريًّا من أقصاه إلى أقصاه، وذلك للسبب المذكور آنفًا، أي نسيان هذه اللغة.
ومن هنا، لا نستعمل شروحهم—لا شروح رابّي موسى دي ليون نفسه، ولا شروح من جاء بعده—لأنّ أقوالهم غير صحيحة في تفسير الزوهار. وليس لدينا، إلى يومنا هذا، مفسّرٌ واحدٌ معتمد، سوى الآريّ، لِذِكرِهِ البركة—ولا غيره.
وفي ضوء ما تقدّم يتّضح لنا أنّ باطن حكمة الكابالا ليس مغايرًا لِباطن التناخ والتلمود والأغاداه.
وإنّما الفارق بينها جميعًا هو في طرائق المنهج العقليّ فحسب.
والأمر شبيهٌ بحكمةٍ نُقِلَت إلى أربع لغات؛ إذ من البديهي أنّ جوهر الحكمة ذاته لا يتغيّر بتغيّر اللغة، وكلّ ما ينبغي النظر فيه هو: أيّ ترجمةٍ هي الأيسر والأكثر قبولًا لنقل الحكمة إلى القارئ.
وهكذا هو شأننا هنا؛ فإنّ حكمة الحقّ—أي حكمة الانكشاف الإلهيّ في طرائقه نحو المخلوقات— تشبه العلوم الخارجيّة في أنّها تُسلَّم من جيلٍ إلى جيل، وكلّ جيلٍ يضيف حلقةً إلى من سبقه، وبهٰذا تتقدّم الحكمة وتتطوّر، ومع ذلك تصبح أهلًا للانتشار الأوسع بين الجمهور.
ولذلك، فإنّ كلّ حكيم مُلزَمٌ بأن يُسلِّم لتلاميذه وللأجيال اللاحقة كلَّ ما ورثه من الحكمة عن الأجيال السابقة، وكذلك ما أضافه هو نفسه ممّا وُفِّق إليه.
ومن البديهي أيضًا أنّ الإدراك الروحيّ—كما يُدرَك من قِبَل المُدرِك—لا يمكن نقله إلى غيره أصلًا، ولا سيّما تدوينه في كتاب؛
لأنّ الذوات الروحيّة لا يمكن أن تدخل في حروف التمثيل والتشبيه بأيّ وجهٍ من الوجوه. (وإن ورد القول: «وبيد الأنبياء أُشبِّه»، فليس المقصود به المعنى الحرفيّ—حاشا).
نظام نقل الحكمة
فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يُتصوَّر أن يتمكّن الإنسان الذي يُدرِك من نقل إدراكاته إلى الأجيال وإلى التلاميذ؟
اعلم أنّه لا سبيل إلى ذلك إلا طريقًا واحدًا، وهو طريق الجذر والفرع.
وذلك لأنّه من الخالق تعالى خرجت جميع العوالم كلّها، بكلّ ما فيها من امتلاء، وبأدقّ تفاصيلها، وإنّما—على سبيل التعبير—من فكرةٍ واحدةٍ فريدةٍ ومميّزة، وهذه الفكرة وحدها هي التي تسلسلت وانبثقت، فأنشأت كلّ هذا التعدّد من العوالم والمخلوقات وتدبيراتها،
كما هو مبيَّن في شجرة الحياة (عِتس حاييم / Etz Ḥayim) وفي تصحيحات الزوهار، فانظر هناك.
ولهذا، فإنّ جميع العوالم متماثلة تمامًا بعضها مع بعض، كـ الخاتم والمختوم، إذ إنّ الخاتم الأوّل منقوشٌ في الجميع.
وبناءً على ذلك، فإنّ العوالم الأقرب إلى فكرة الغاية تُسمّى عندنا جذورًا، والعوالم الأبعد عن الغاية تُسمّى عندنا فروعًا، وذلك لأنّ نهاية الفعل تكون في الفكرة أوّلًا.
وعلى هذا نفهم العبارة الشائعة في أغاداه الحكماء:
«وكان ينظر فيه من نهاية العالم إلى نهايته».
إذ كان ينبغي أن يُقال: من بداية العالم إلى نهايته؛ غير أنّ المقصود هو أنّ هناك نهايتين:
-
نهاية من حيث البُعد عن الغاية، أي الفروع الأخيرة في هذا العالم.
-
ونهاية تُسمّى غاية الكلّ، لأنّ الغاية لا تنكشف إلا في نهاية الفعل.
غير أنّه، بحسب ما بُيِّن لدينا من أنّ «نهاية الفعل تكون في الفكرة أوّلًا»، نجد أنّ الغاية موجودة في رأس العوالم، وهو ما نسمّيه عندنا العالم الأوّل، أو الخاتم الأوّل، الذي تنبثق منه جميع سائر العوالم وتُختَم به.
وهذه هي العلّة في أنّ جميع المخلوقات—جامدًا ونباتًا وحيوانًا وإنسانًا—بكلّ ما يطرأ عليها من أحوال، تكون موجودة بكامل صورها منذ العالم الأوّل؛ وما لا يوجد هناك، لا يمكن بحالٍ من الأحوال أن يظهر في أيّ عالمٍ لاحق، لأنّه لا يُعطي أحدٌ ما ليس فيه.
الجذر والفرع في العوالم
وبهذا يسهل فهم مسألة الجذر والفرع في العوالم؛ إذ إنّ جميع التعدّدات الموجودة في الجامد والنبات والحيوان والإنسان في هذا العالم،
يقابل كلَّ جزئيّةٍ منها نظيرٌ مطابق في العالم الأعلى منها، من غير أيّ اختلافٍ البتّة في الصُّوَر، وإنّما الاختلاف هو في المادّة وحدها.
فالكائن الحيّ أو الحجر في هذا العالم هو مادّة جسميّة، أمّا الكائن الحيّ والحجر المقابلان له في العالم الأعلى، فهما مادّة روحيّة
لا تشغل مكانًا ولا تخضع لزمان؛ ومع ذلك فإنّ النوعيّة (الكيفيّة) فيهما واحدةٌ تمامًا.
ولا بدّ هنا من إضافة أمرٍ آخر، وهو نسبة المادّة إلى الصُّورة، إذ إنّ هذه النسبة مشروطةٌ أيضًا بنوعيّة الصُّورة نفسها، كما هو معلوم.
وعلى هذا النحو، فإنّ معظم درجات الجامد والنبات والحيوان والإنسان في العالم الأعلى تجد لها نظائر مطابقة في العالم الذي يليه، وهكذا صعودًا، إلى أن نصل إلى العالم الأوّل، حيث تكون جميع الجزئيّات موجودة هناك في كمال إنجازها، وذلك على سرّ ما ورد في الآية:
«ورأى الله كلَّ ما عمله فإذا هو حسنٌ جدًّا».
وهذا هو معنى ما كتبه الكاباليّون من أنّ العالم قائم في مركز الكلّ؛ إذ المقصود بذلك الإشارة إلى ما ذُكر آنفًا، وهو أنّ نهاية الفعل هي العالم الأوّل؛ أي إنّ الغاية، وأنّ البُعد عن الغاية يُسمّى نزول العوالم من المُفيض حتّى الوصول إلى هذا العالم الجسميّ،
الذي هو الأبعد عن الغاية من بينها جميعًا.
غير أنّ مآل جميع الموجودات الجسميّة أن تتطوّر شيئًا فشيئًا، وتبلغ غايتها التي فكّر بها الخالق تعالى لها، أي العالم الأوّل؛ غير أنّه، بالنظر إلى عالمنا هذا الذي نحن فيه، يُعدّ العالم الأوّل العالم الأخير، أي نهاية الأمر.
ومن هنا يبدو كأنّ عالم الغاية هو العالم الأخير، ونحن—أبناء هذا العالم—نقع في الوسط بين الطرفين.
ماهيةُ حكمةِ الحقّ
وبذلك يتّضح أنّه، كما أنّ انكشاف جنس الأحياء في هذا العالم ونُظُم بقائه يُعَدّ حكمةً عجيبة، كذلك فإنّ انكشاف الفيض الإلهيّ في العالم—سواء من حيث وجود الدرجات أو من حيث طرائق فعلها—يُشكِّل معًا حكمةً مدهشة، أعجبَ وأعظمَ بما لا يُقاس من حكمة الفيزياء.
ذلك لأنّ حكمة الفيزياء ليست سوى معرفةٍ بأنظمة نوعٍ خاصّ موجودٍ في عالمٍ خاصّ، وهي مقصورة على موضوعها وحده، ولا تنطوي على أيّ حكمةٍ أخرى غيرها.
أمّا حكمة الحقّ، فباعتبارها معرفةً عامّة شاملة لكلّيّة الجامد والنبات والحيوان والإنسان الموجودين في جميع العوالم، وبجميع أحوالهم وأنظمتهم، كما كانوا مشمُولين في فِكرة الخالق تعالى— أي في المقاصد الغائيّة—فمن هنا تندرج فيها جميع علوم العالم، من أصغرها إلى أكبرها، اندراجًا عجيبًا للغاية.
وذلك لأنّها تُوحِّد جميع أنواع العلوم المختلفة والمتباعدة—المتباعدة بعضها عن بعض بُعدَ المشرق عن المغرب—وتُخضِعها لنظامٍ واحدٍ مشترك، أي إنّ أنظمة كلّ علمٍ من هذه العلوم ملزَمةٌ بأن تأتي وفق طرائقها.
فمثلًا:
-
حكمة الفيزياء منظَّمة فعلًا وفق نظام العوالم والسِّفيروت،
-
وكذلك حكمة الفلك منظَّمة وفق النظام نفسه،
-
وكذلك حكمة الموسيقى… وهكذا دواليك.
وعلى هذا النحو نجد أنّ جميع العلوم تنتظم وتنبثق ضمن رابطةٍ واحدة ونسبةٍ واحدة، وتكون علاقتها بها كعلاقة الابن بوالده؛
ومن هنا فإنّ بعضها مشروطٌ ببعض: أي إنّ حكمة الحقّ مشروطة بجميع العلوم، وكذلك جميع العلوم مشروطة بها.
ولهذا السبب، لا نجد كاباليًّا حقيقيًّا إلّا وكان له إلمامٌ شامل بجميع علوم العالم—كما هو معروف—إذ إنّه يكتسبها من داخل حكمة الحقّ نفسها، لأنّها كلّها مندرجةٌ فيها.
سرّ الوَحدة
وأعظم ما يبعث على الدهشة في هذه الحكمة هو شمولُها الكلّي؛ أي إنّ جميع تفاصيل الواقع العظيم تسير بوساطتها، وتتداخل وتتراكب وتتّحد، إلى أن تنتهي إلى أمرٍ واحدٍ—القادر على كلّ شيء، الجامع للكلّ معًا.
ففي البدء نرى أنّ جميع علوم العالم تنعكس فيها، وتنتظم ضمنها وفق نُظُمها عينها. ثمّ نرى بعد ذلك أنّ جميع العوالم والأنظمة في حكمة الحقّ نفسها—مع أنّ كثرتها لا تُحصى— تتوحّد تحت عشر وجودات فقط، تُسمّى العشر سِفيروت.
ثمّ تنتظم هذه العشر سِفيروت وتؤول إلى أربعة أشياء، هي الحروف الأربع للاسم ذي الأربعة. ثمّ إنّ هذه الأربعة جميعًا تنتظم وتندمج في نقطة اليود، التي ترمز إلى اللانهاية، تبارك اسمه.
وبناءً على ذلك، فإنّ من يبدأ دراسة هذه الحكمة مُلزَمٌ أن يبدأ بـ نقطة اليود، ومنها إلى العشر سِفيروت في العالم الأوّل المسمّى عالم آدم قدمون؛ ومن هناك يرى ويكتشف كيف أنّ جميع التفاصيل الكثيرة التي لا تُحصى الموجودة في عالم آدم قدمون
إنّما تنبثق وتصدر وفق نظامٍ حتميّ من السابق إلى اللاحق، بحسب القوانين نفسها التي نراها في علم الفلك والفيزياء— أي قوانين ثابتة، يقتضي بعضها بعضًا اقتضاءً صارمًا، قانونًا لا يتخلّف، تتسلسل بعضها من بعض من نقطة اليود إلى كلّ التعدّدات في عالم آدم قدمون.
ومن هناك تُختَم هذه التعدّدات وتنتقل من عالمٍ إلى عالم، عبر العوالم الأربعة، على طريقة الخاتم والمختوم، إلى أن نبلغ جميع التعدّدات في هذا العالم؛ ثمّ تعود هذه التعدّدات بدورها فتنطوي بعضها في بعض، إلى أن ترجع كلّها إلى عالم آدم قدمون، ثمّ إلى العشر سِفيروت،
ثمّ إلى الاسم ذي الأربعة، إلى أن تنتهي مرّة أخرى إلى نقطة اليود.
ولا يُقال: إذا كانت المادّة غير معروفة، فكيف يمكن الاشتغال بها وفق مناهج العقل؟ فإنّك تجد نظير ذلك في سائر العلوم؛
فمثلًا، عند دراسة علم التشريح، حين يُبحث في أعضاءٍ منفصلة وتأثير بعضها في بعض، لا يكون لهذه الأعضاء أيّ شبهٍ بالموضوع العامّ، وهو الإنسان الحيّ الكامل؛ غير أنّه، مع مرور الزمن، وحين تُدرَك الحكمة إدراكًا تامًّا، يمكن إقامة علاقةٍ عامّة بين جميع الأجزاء، يُعلَم منها أنّ الجسد الكلّي متوقّف عليها.
وهكذا الأمر هنا أيضًا؛ فـ الموضوع العامّ هو انكشاف الألوهيّة للمخلوقات، في سرّ الغاية، كما قيل: «لأنّ الأرض تمتلئ من معرفة الربّ». أمّا المبتدئ، فلا تكون له—ولا ريب—أيّ معرفة بهذا الموضوع العامّ المتوقّف على مجموع الكلّ، ولذلك لا بدّ له أن يكتسب جميع التفاصيل، وأن يفهم نُظُم تأثيرها بعضها في بعض، وأسبابها وفق ترتيب السابق واللاحق، إلى أن يُتمّ تحصيل الحكمة كلّها.
وحين يُحسن معرفة الحكمة معرفةً تامّة، فإن كان صاحبَ نفسٍ مُصفّاة، فلا شكّ أنّه ينال في نهاية المطاف الموضوع العامّ.
وحتى إن لم ينل ذلك، فإنّ في ذاته فوزًا عظيمًا أن يكتسب قدرًا من الإدراك في هذه الحكمة الجليلة العظيمة، التي تفوق سائر العلوم بمقدار سموّ موضوعها؛ فكما يُقدَّر تفوّق الخالق تعالى على مخلوقاته، كذلك تُقدَّر عظمة الحكمة المتعلّقة به تعالى على الحكمة المتعلّقة بالمخلوقات.
وليس بسبب تعذّر الإدراك يمتنع الناس عن الخوض فيها؛ فإنّ عالم الفلك لا يملك أيّ إدراكٍ لذوات النجوم والكواكب، وإنّما لإدراك حركاتها ومساراتها، في حكمةٍ مدهشةٍ منظَّمة ومُعدّة سلفًا، تحت إشرافٍ بديع.
وعلى هذا، فإنّ المعارف في حكمة الحقّ ليست أغمض من ذلك؛ إذ إنّ المسارات والنُّظُم فيها مُبيَّنة بوضوح، حتّى للمبتدئين.
وإنّما كان المانع الوحيد هو أنّ الكاباليّين أخفوها عن العالم بـ حكمةٍ عظيمة.
إعطاء الإذن
يسرّني أنّني وُلِدتُ في جيلٍ كهذا، جيلٍ أصبح فيه مباحًا نشرُ حكمةِ الحقّ.
وإن سألتموني: من أين أعلم أنّه مباح؟
أجيبكم: لأنّه أُعطِيَ لي إذنٌ بالكشف.
أي إنّه، إلى اليوم، لم تُكشَف لأيّ حكيم تلك الطرائق التي يمكن الاشتغال بها علنًا أمام جميع الناس، وشرح كلّ كلمةٍ وكلمةٍ على وجهها؛
فإنّني أنا أيضًا قد أقسمتُ لِمعلّمي ألّا أُفشي، كما أقسم جميع التلاميذ الذين سبقوني.
غير أنّ هذا القَسَم وهذا الحظر لا يسريان إلّا على تلك الطرائق التي تُنقَل شفهًا، جيلًا بعد جيل، حتّى الأنبياء وما فوقهم؛
لأنّ هذه الطرائق، لو كُشِفت لعامة الناس، لأدّت إلى ضررٍ عظيم، لأسبابٍ خفيّةٍ علينا.
أمّا الطريق الذي أعمل به في كتبي فهو الطريق المأذون، بل على العكس، أُمرتُ على لسان معلّمي أن أُوسّعه قدر استطاعتي.
ويُسمّى هذا الطريق عندنا طريق تلبُّس الأمور.
وانظر في مقالات رَابّي شمعون بن يوحاي، فإنّه يُطلِق على هذا الطريق اسم إعطاء الإذن.
وهذا ما أنعم الخالق به عليّ إنعامًا كاملًا؛ وقد استقرّ عندنا أنّ هذا الأمر لا يتعلّق بعبقريّة الحكيم نفسه، بل بحال الجيل، على نحو ما قاله الحكماء: «كان شموئيل الصغير جديرًا… ولكنّ جيله لم يكن أهلًا لذلك».
ولهذا قلتُ إنّ كلّ ما نِلته من توفيق في كشف الحكمة إنّما هو بسبب جيلي.
أسماءٌ مجرَّدة
إنّه لَخَطأٌ جسيم أن يُظَنّ أنّ لغة الكابالا تستعمل أسماءً مجرَّدة؛ بل على العكس، فهي لا تتناول إلا الأمور الواقعيّة المحسوسة.
فإنّ في العالم أشياءَ هي واقعيّة بالفعل، مع أنّه لا إدراكَ لنا بذواتها، كالمغناطيس والكهرباء ونحوِهما.
ومع ذلك، فأيُّ ساذجٍ يقول إنّ هذه الأسماء أسماءٌ مجرَّدة؟
فنحن نعرف أفعالها معرفةً تامّة، وما الذي يضيرنا إن كنّا لا نعرف اسم ذاتها؟
ففي نهاية المطاف، نحن نُطلق الاسم على موضوعٍ مُعيَّن تُنسَب إليه تلك الأفعال، وهذا اسمٌ حقيقيّ واقعيّ.
بل إنّ الطفل الذي يبدأ بالكلام يستطيع أن يسمّيها باسمٍ ما، إذا ما أحسّ بأفعالها إحساسًا يسيرًا. وهذا هو قانوننا:
كلّ ما لا نُدرِكه، لا نُعرِّفه باسم.
لا تُدرَك الذّات في الأمور الجسميّة
بل أكثر من ذلك، فإنّ حتّى الأشياء التي نَتوهّم أنّنا نُدرِك ذواتها، كالحجر والشجر، نجد بعد فحصٍ دقيقٍ وأمين أنّنا نبقى بلا أيّ إدراكٍ لذواتها؛ إذ لا يُدرَك لنا منها إلا أفعالها وتأثيراتها التي تتولّد من تفاعلها مع حواسّنا عند ملامستها.
النَّفْس
فعلى سبيل المثال، حين تقول الكابالا إنّ هناك ثلاث قوى:
-
الجسد،
-
النفس الحيوانيّة،
-
النفس القدسيّة؛ Néfesh de-Q’dushá
فليس المقصود بذلك ذاتَ النفس نفسها؛ لأنّ ذات النفس تُدرَك بوصفها قوّةً سيّالة غير متشكّلة، وهو ما عبّر عنه بعضُ علماء النفس بمفهوم «الأنا»، وفسّره الماديّون—كلٌّ بحسب منهجه—بقوى كالكهرباء.
والخوض في الكلام عن ذاتها هو إضاعة للوقت، إذ إنّها غير خاضعة للتنظيم تحت تأثير ملامسة حواسّنا، كجميع الذوات الجسميّة الشاملة.
لكن بما أنّنا نرى في ذات هذا السيّال ثلاثةَ أنواعٍ من الأفعال في العوالم الروحيّة، فإنّنا نُميّزها تمييزًا واضحًا بإطلاق أسماءٍ منفصلة عليها، وذلك بحسب أفعالها الواقعيّة في العوالم العُليا.
وعليه، فليس هنا أسماءٌ مجرَّدة، بل على العكس، هي أسماءٌ واقعيّة بالمعنى الكامل للكلمة.
امتيازُ تفسيري على التفاسير السابقة
يمكن الاستعانة في تفسير بعض مسائل حكمة الكابالا بعلومٍ خارجيّة، لأنّ حكمة الكابالا هي الجذر لكلّ شيء، وجميع العلوم مندرجةٌ فيها.
فمنهم من استعان بعلم التشريح، استنادًا إلى القول: «ومن جسدي أُبصر الإله» ومنهم من استعان بعلم الفلسفة، وأمّا المتأخّرون فقد أكثروا من الاستعانة بعلم النفس.
غير أنّ جميع هذه المحاولات لا تُعَدّ تفسيرًا حقيقيًّا، لأنّها لا تفسّر شيئًا في حكمة الكابالا ذاتها، بل تكتفي بأن تُبيّن كيف أنّ سائر العلوم مندرجةٌ فيها. ولهذا لا يستطيع القارئ أن ينتقل بها من موضعٍ إلى موضع آخر في النصوص.
وذلك على الرغم من أنّ حكمة عبادة الربّ هي أقربَ العلوم الخارجيّة إلى حكمة الكابالا من غيرها، فضلًا عن أنّه لا يمكن الاستعانة بشيءٍ ممّا يُذكَر من التفاسير المبنيّة على علم التشريح أو على الفلسفة.
ومن هنا قلتُ إنّني أوّل مفسّر يعتمد منهج الجذر والفرع، والسابق واللاحق.
فإذا فهم الإنسان من خلال تفسيري مسألةً ما، فيمكنه أن يكون واثقًا أنّه كلّما وجد هذه المسألة نفسها في الزوهار أو في التصحيحات،
سيستطيع أن يستعين بها هناك أيضًا، كما هو الحال في تفاسير الظاهر، حيث يمكن الانتقال بالفهم من موضعٍ إلى سائر المواضع.
أمّا أسلوب التفسير بالاستناد إلى علومٍ خارجيّة فهو إضاعة للوقت؛ إذ لا يزيد على كونه شهادةً متبادلة بين علمٍ وآخر على صدق أحدهما بالآخر. والحال أنّ العلم الخارجيّ لا يحتاج إلى شهادة، لأنّ العناية الإلهيّة قد أعدّت له الحواسّ الخمس شاهدةً عليه.
أمّا في الكابالا، فلا بدّ—على الأقلّ—من فهم دعوى صاحب القول أوّلًا، قبل الإتيان بأيّ شهودٍ على هذه الدعوى.
أسلوبُ التفاسير المبنيّة على العلوم الخارجيّة
ومن هنا يتّضح مصدرُ خطأ الحاخام شِمّ طوف، إذ قام بتفسير كتاب «دلالة الحائرين» على أساس حكمة الكابالا،
من غير أن يعلم—أو لعلّه تظاهر بعدم العلم— أنّه يمكن، بالقدر نفسه، تفسير علم الطبّ أو أيّ علمٍ آخر على أساس حكمة الكابالا، لا أقلّ من تفسير علم الفلسفة؛ وذلك لأنّ جميع العلوم مندرجةٌ فيها، وبخاتمها قد خُتِمَت.
غير أنّه من المؤكّد أنّ صاحب «دلالة الحائرين» لم يقصد قطّ ما فسّره شمّ طوف Shem Tov ibn Falaquera، لِذِكرِهِ البركة، كما أنّه لم ينتبه إلى أنّه هو نفسه—في كتاب يتصيرا—قام بتفسير الكابالا وفق الفلسفة.
وقد بيّنتُ من قبل أنّ هذا النمط من التفاسير ليس سوى إضاعةٍ للوقت؛ لأنّ العلوم الخارجيّة لا تحتاج إلى شهادات لإثبات صدقها،
أمّا حكمة الكابالا، فما لم تُفَسَّر أقوالها من داخلها هي نفسها، فلا معنى لإحضار شهودٍ على صدقها.
وذلك شبيهٌ بمن يرفع دعوى، فيُسارِع إلى إحضار الشهود قبل أن يُبيِّن أصل دعواه ويُوضّحها.
ويُستثنى من ذلك الكتب التي تتناول عبادة الخالق؛ لأنّ حكمة عبادة الخالق تحتاج فعلًا إلى شهودٍ على صدقها ونجاحها،
ويجوز فيها الاستعانة بحكمة الحقّ.
أمّا سائر المؤلَّفات المكتوبة على هذا الأسلوب، فليست—حاشا—باطلةً أو عديمةَ الفائدة؛ بل إنّه، بعد أن نفهم الحكمة فهمًا جيّدًا من داخلها، يمكننا أن ننتفع كثيرًا بهذا الأسلوب في باب القياس والمقارنة: كيف أنّ جميع العلوم مندرجةٌ فيها، وكيفيّات البحث عنها، وغير ذلك…
سرّ تحصيل الحكمة
لِحكمةِ الحقّ ثلاثةُ أنظمة، وهي:
أوّلًا: مرتبة الأصليّة في الحكمة
وهي مرتبةٌ لا تحتاج إلى أيّ عونٍ بشريّ؛ لأنّها كلّها عطيّةٌ إلهيّة، ولا يتدخّل فيها عنصرٌ أجنبيّ البتّة.
ثانيًا: الفهمُ في تلك الأصول التي نالها الإنسان من العُلى،
وهو شبيهٌ بحال إنسانٍ يكون العالمُ كلّه مهيّأً أمامه، ومع ذلك يحتاج إلى كدٍّ واجتهادٍ كبيرين لفهم هذا العالم؛ فمع أنّه يرى كلّ شيء بعينيه، إلّا أنّ في الناس سُذّجًا وحكماء.
وهذا الفهم هو الذي يُسمّى حكمةَ الحقّ؛ وكان آدم الأوّل هو أوّل من نال نظامًا من المعارف الكافية ليُحسن الفهم والنجاح والاستفادة إلى أقصى حدّ ممّا رآه وأدركه بعينيه.
وهذه السلسلة من المعارف لا تُنقَل إلّا مشافهةً، من فمٍ إلى فم.
كما أنّها تخضع لقانون التطوّر:
فكلّ واحدٍ يمكنه أن يضيف على صاحبه، أو أن يتراجع إلى الوراء.
(وهذا بخلاف المرتبة الأولى، حيث ينال الجميع العطيّة على السواء، لا زيادة ولا نقصان؛ وذلك شبيهٌ بإدراك الناس لواقع هذا العالم:
فالكلّ متساوون في الرؤية، لكنّهم يختلفون في الفهم؛ فمنهم من يتقدّم جيلًا بعد جيل، ومنهم من يتراجع).
ويُسمّى نظام نقل هذه المرتبة أحيانًا «نقل الاسم الصريح»، وهو لا يُسلَّم إلّا بشروطٍ كثيرة، ودائمًا شفهيًّا لا كتابيًّا.
ثالثًا: النظامُ المكتوب
وهو أمرٌ جديدٌ تمامًا؛ فإلى جانب ما فيه من توسّعٍ كبير في تطوّر الحكمة— إذ يورّث كلّ واحدٍ بفضله سعةَ إدراكاته للأجيال التي بعده— توجد فيه أيضًا خاصيّةٌ جليلة:
وهي أنّ كلّ من يشتغل به، حتّى وإن لم يكن يفهم بعدُ ما كُتب فيه، فإنّه يتزكّى بواسطته، وتقترب منه الأنوار العُلويّة.
ولهذا النظام أربع لغات، كما ذُكر آنفًا، غير أنّ لغة الكابالا تعلو عليها جميعًا، كما تقدّم بيانه هناك.
نظامُ نقل الحكمة
إنّ أنجح طريقٍ لمن يشتاق إلى تعلّم الحكمة هو أن يلتمس حكيمًا كاباليًّا حقيقيًّا، وأن يُطيعَه في كلّ ما يفرضه عليه، إلى أن يُوفَّق إلى فهم الحكمة من ذاته، أي نيل المرتبة الأولى.
ثمّ يظفر بعد ذلك بـ تلقّيها مشافهةً، وهي المرتبة الثانية، ثمّ بـ فهمها المكتوب، وهي المرتبة الثالثة.
فحينئذٍ يرث الحكمة كلّها وأدواتها بسهولة عن معلّمه، ويبقى له كلّ وقته مكرَّسًا للتوسيع والتطوّر.
غير أنّ الواقع يعرف طريقًا ثانيًا: وهو أن تنفتح للطالب—من شدّة توقه العميق—مشاهدُ السماء، فينال بنفسه الأصليّات، أي المرتبة الأولى. لكنّه يُلزَم بعد ذلك بأن يبذل جهدًا ومشقّةً كبيرين إلى أن يعثر على معلّمٍ حكيم يمكنه الخضوع له، والإصغاء إليه، وتلقّي الحكمة منه وجهًا لوجه، وهي المرتبة الثانية، ثمّ ينتقل بعدها إلى المرتبة الثالثة.
وبما أنّه لم يتّكئ منذ البداية على حكيمٍ كاباليّ، فإنّ إدراكاته تأتيه بمشقةٍ عظيمة، وتستغرق زمنًا طويلًا، ولا يبقى له إلّا وقتٌ يسير للتطوّر فيها.
وقد يحدث أحيانًا أن يأتي الفهم بعد فوات الأوان، كما قيل: «فيموتون وليسوا بحكمة».
وهؤلاء هم تسعةٌ وتسعون بالمئة، ويُسمَّون عندنا «دخلوا ولم يخرجوا»؛ وهم شبيهون بالسذّج والجهّال في هذا العالم، الذين يرون عالمًا مهيّأً أمام أعينهم ولا يفهمون منه شيئًا، سوى خبزهم الذي في أفواههم.
ومع ذلك، فحتّى في الطريق الأوّل لا ينجح الجميع؛ إذ إنّ كثيرين، بعد أن ينالوا الإدراك، تزهو نفوسهم بأنفسهم، فلا يقدرون على الخضوع لانضباط معلّمهم كما ينبغي، ولذلك لا يكونون أهلًا لتلقّي الحكمة.
وفي هذه الحال يُضطرّ الحكيم إلى إخفاء جوهر الحكمة عنهم: «فيموتون وليسوا بحكمة»، «دخلوا ولم يخرجوا».
وكلّ ذلك لأنّ نقل الحكمة مشروطٌ بشروطٍ عظيمةٍ وجسيمة، ناشئةٍ عن أسبابٍ ضروريّة؛ ولهذا قلّةٌ قليلة هم الذين ينجحون في نيل القبول في عيني معلّمهم، حتّى يُوجَدوا أهلًا لهذا الأمر.
طوبى لمن نال ذلك.