حيفروتا - متابعة الدرس 17 - المعنى الروحي للتاناخ (الكتاب المقدس العبري) بحسب حكمة الكابالا الأصيلة

حيفروتا - متابعة الدرس 17 - المعنى الروحي للتاناخ (الكتاب المقدس العبري) بحسب حكمة الكابالا الأصيلة

حيفروتا - متابعة الدرس 17 - المعنى الروحي للتاناخ (الكتاب المقدس العبري) بحسب حكمة الكابالا الأصيلة

محتوى الدرس
المواد

من المصادر

...إن داخلية حكمة الكابالا لا تختلف كثيراً عن داخلية التوراة أو التلمود أو الأساطير. و الفرق الوحيد بينها يكمن في شروحاتها.

و هذا يشبه حكمة تم ترجمتها إلى أربع لغات. و لذلك فَمن الطبيعي أن جوهر الحكمة لم يتغير على الإطلاق بتغير اللغة. و كل ما علينا التفكير فيه هو أي ترجمة هي الأكثر ملاءمة لنقل الحكمة إلى القارئ.

- بعل هسولام "تعليم الكابالا و جوهرها"


إنه لَأمر صعب بالنسبة للمبتدئين، لأنهم يدركون الأمور من خلال الحدود الجسدية للزمان، و للمكان، و التغير، و التبادل. و مع ذلك، إستخدم المؤلفون هذه الأمور فقط كعلامات للإشارة إلى جذورها العليا.

- بعل هسولام، دراسة العشر سفيروت، الجزء 1، الفصل 1، النور الداخلي، ص.1


هناك شرط صارم أثناء الإنخراط في هذه الحكمة بعدم تجسيد الأمور بقضايا خيالية و جسدية. و ذلك لأنه بذلك يخالفون: "لا تصنع لك تمثالاً أو صورةً ما."

في هذه الحالة، يتعرض الإنسان للضرر بدلاً من الحصول على الفائدة.

- بعل هسولام، "مقدمة لدراسة العشر سفيروت"، الرسالة 156


لغة الفروع

لقد اٌختار الكاباليون لغة خاصة تُسمى "لغة الفروع". و سبب هذا الإختيار هو أن كل ما يوجد في عالمنا (من مستوى الجماد، و النبات، و الحيوان، و الإنسان من الطبيعة)، فَكل ما حدث لهم في الماضي، و يحدث الآن، و سيحدث في المستقبل، أي جميع الأشياء بالإضافة إلى تدبيرها، هي تنبع من الخالق و تمر عبر جميع العوالم الروحية قبل أن تظهر في عالمنا. و يتم تجديد حَوْكَمة كل هذا باستمرار من الأعلى إلى الأسفل حتى عالمنا.

إن كل شيء موجود في عالمنا له أصله في العالم العلوي، مع نزول كل شيء تدريجياً إلى عالمنا. و نظراً لأن كل شيء في عالمنا يأتي من العالم العلوي، هناك إرتباط دقيق بين أشياء عالمنا، و عواقبها، و أسبابها، و أصولها في العالم الروحي.

و الكاباليون هم اللذين يستطيعون تحديد هذا الإرتباط الدقيق، بحيث يرون كل من الشيء العلوي (الجذر اللذي منه ينبع كل شيء) و من الشيء السفلي في عالمنا (اللذي يتلقى من العلوي – سببه و قوته الحاكمة –) بشكل غير واعي، دون الإحساس بذلك، يمكنهم معرفة كل إرتباط بدقة. لذلك يمكنهم تسمية الجذور في العوالم العليا بأسماء نتائجها المادية، أي الفروع في عالمنا. و لهذا السبب تُسمى هذه اللغة "لغة الفروع" و ليس "لغة الجذور". فالجذور تُسمى بأسماء فروعها و ليس العكس. و هكذا، وجد الكاباليون اللغة اللتي، بإستخدام كلمات الحياة اليومية، تصف العالم الروحي بدقة. فلا يمكن أن تكون هناك لغة أخرى لأنه لا توجد كلمات أخرى مفهومة لأولئك اللذين يعيشون في العالمين معاً. و لهذا السبب، من أجل وصف العالم العلوي، يأخذ الكاباليون أسماء من عالمنا و يستخدمونها لوصف الأشياء العليا، جذور عالمنا.

و مع ذلك، إذا لم يكن المرء على دراية بهذا، فقد يبدو أن كتاب الكابالا يروي قصة عن عالمنا. لكن هذه الكلمات لا تضلل الكابالي اللذي يرى بوضوح ما اللذي يتحدث عنه الكتاب بالفعل. فهم يعرفون بالضبط أي فرع (أي الأثر اللذي) في عالمنا يتوافق مع جذره في العالم العلوي.

فعلى سبيل المثال، "أورشليم" في الأدب الكابالي لا تشير إلى المدينة المادية، بل إلى قوى روحية معينة و إلى تركيز لطاقة روحية معينة، و اللتي لها مكان محدد في نظام العوالم الروحية. بالإضافة إلى ذلك، أجزاء جسم الإنسان في الكابالا مثل "روش" (الرأس)، "چوف" (الجسم)، "شايتس" (الصدر)، "پيه" (الفم)، "إينام" (العينان)، و ما إلى ذلك، تشير إلى جذورها الروحية. فكلمة "روش" تدل على جزء إتخاذ القرار في الكيان الروحي، بينما "چوف شي" تشير إلى تركيز الوظائف التنفيذية.


في البداية - بريشيت  
في البدء خلق الله السماوات و الأرض. و كانت الأرض غير متشكلة و خالية، و كان الظلام يكسو وجه القمر؛ و روح الله كانت ترف على وجه المياه. فقال الله: "ليكن نور." فكان نور. و رأى الله النور أنه حسن؛ و فصل الله بين النور و بين الظلام. و دعا الله النور نهارًا، و أما الظلام فدعاه ليلًا. و كان مساء و كان صباح، يوم واحد.

بريشيت (سفر التكوين)، هو الفصل الأول في التوراة (الأسفار الخمسة) و يبدأ بهذه الكلمات. هذه الكلمات تثير صورة معينة. لقد سمعنا تفسيرات مختلفة لهذه الكلمات على مستوى بسيط پيشات (المعنى الحرفي). مع ذلك، هذه التفسيرات البسيطة تترك الكثير من الأسئلة؛ فهي تفتقر إلى المنطق و إلى النهج العلمي. و يوضح الكاباليون ذلك كما يلي:

إن كل الكتب المقدسة تتحدث فقط عن العالم الروحي، عن كيفية خلقه، و عن كيف تم من بعده خلق عالمنا منه. علاوة على ذلك، هذه الكتب لا تقتصر فقط على وصف ما هو موجود، بل تعلم الإنسان أيضًا كيف يمكنه أن يرى ذلك العالم.

يُسمى الكشف التدريجي للعالم العلوي بالصعود الروحي للإنسان، أو درجات الإرتقاء الروحي. و تُستخدم عدة تقنيات في الكتب لوصف العالم الروحي. إن الكابالا هي علم يختص ببنية العالم العلوي؛ و تستخدم لغة السفيروت و الپارتسوفيم و الرسوم البيانية و الصور لوصفها. أما التوراة، فتصِف العالم العلوي مستخدمةً لغة الحياة اليومية. هناك أيضاً اللغة الرمزية الهاجادا و لغة القوانين الهالاخا. الآن، سنحاول ترجمة لغة التوراة إلى لغة الكابالا.

تصف التوراة نشوء العالم العلوي، و بنيته و تطوره، ثم تصور عملية خلقنا. و لكن هذا ليس هو الإنسان ذاته المعروف في عالمنا. تتحدث التوراة عن خلق الإرادة في الإستقبال (و تُسمى النفس أو آدم) بهدف ملء هذه الرغبة في خلق الروح بالنعيم الأبدي و المطلق. إن هذه الرغبة في النعيم هي الخلق الوحيد. و ما عداها، فهناك فقط الخالق. و هكذا، فكل شيء غير الخالق ليس سوى مقادير مختلفة من الرغبة في النعيم.

و يحدث الشيء نفسه في عالمنا. فالشيء الوحيد اللذي يفصل بين جميع الكائنات هو إختلاف مقدار الرغبة في النعيم، الأمر اللذي يحدد جميع خصائص كل شيء. تتكون الرغبة في النعيم من خمسة مستويات، و تسمى هذه الأجزاء الخمسة من رغبة الخلق: السيفيروت:

كِتِر و حوخما و بينا و تيفريت و مالخوت.

 يرغب الخالق في أن يملأ الخلق بالكامل بالمتعة حتى يشعر الخلق بالكمال و بالأبدية. و السبب في ذلك أن الخالق نفسه موجود في هذه الحالة تحديداً، و يريد أن يمنحنا إياها.

الخالق كامل و واحد أحد. و بما أنه كامل، فهو يرغب في منح الكمال، أي حالته الخاصة، لمخلوقاته. و لهذا السبب فإن هدف الخلق هو بلوغ كمال الخالق، و القدرة على إستقبال ما يريد الخالق أن يمنحه.

إن الكابالا لا تتعامل مع الأحداث في عالمنا. بل إنها تبحث في الأحداث في العالم العلوي، اللذي تنحدر منه جميع القوى إلى عالمنا و تخلق و تحرك كل ما يحدث هنا. من خلال تعلم الكابالا، يبدأ الإنسان في رؤية العالم العلوي. و يتمكن الإنسان من إدراك الخالق و الطريقة اللتي خلق بها العالم الروحي. في الكابالا، يسمى هذا الفعل "اليوم الأول من الخلق". في أفعاله اللاحقة (ما يسمى الأيام التالية)، خلق الخالق قوى التحكم في العالم العلوي. أما الفعل الأخير، السادس، للخالق (اليوم السادس من الخلق) فكان خلق آدم.

بما أن آدم كان العمل الأخير للخالق، فهو غاية الخلق كله. كل شيء خُلق قبله كان من أجله. فما هو قدر آدم؟ لابد أن يبلغ آدم الشبه بالخالق، و يصبح مساوياً له تماماً، و يحكم هو بنفسه على الوجود كله و على مصيره الخاص. و الأكثر من ذلك، نحن ملزمون بالوصول إلى هذه الحالة العليا و الكاملة بأنفسنا. أن نصل إليها بأنفسنا يعني أنه يجب علينا أولاً أن نصل إلى أسوأ حالة (العكس تماماً عن حالة الخالق)، و بعد ذلك نصعد منها بإرادتنا الحرة.

بمساعدة الكابالا، يستطيع الإنسان أن يرى العالمين - عالمنا و العالم الأعلى - و كذلك التفاعل بينهما. تنبع المعلومات من العالم الأعلى و تتحقق في المادة أمام أعيننا. ورد فعلنا على ذلك (و اللذي ينزل من فوق في شكل معلومات)، يصعد مرة أخرى إلى العالم الأعلى و يحدد بأي طريقة (جيدة أو سيئة) سينزل و سيظهر في مستقبلنا و يتجلى. لذلك، فإن الخالق (اللذي يوجد في أعلى درجة ممكنة)، خلق الخليقة من خاصية معاكسة له. و ملأها بالنور، ثم فرغها لاحقاً من النور، و أنزلها لدرجة "عالمنا".

من خلال الصعود في درجات السلم الروحي، تصبح الخليقة جديرة بتلقي النعيم اللذي هو أكبر بأضعاف مما كان لديها قبل أن تنزل إلى هذا العالم. علاوة على ذلك، يجب أن تمتلك الخليقة القوة و الفرصة لتعمل بحرية بين قوتين متضادتين، أنانيتها الخاصة و الخالق، ثم تختار طريقها بإستقلالية.

لكي يضع الخالق هذه الشروط تحت تصرف الخليقة، عليه أن يفعل ما يلي:

إبعاد الخليقة تمامًا عن نفسه

توفير فرصة لها لتتطور و لتبلغ هذا الوجود،

توفير فرصة للإختيار الحر

يعطينا الخالق مثل هذه الشروط تدريجيًا. في البداية، تكون الخليقة عندما تشعر بالخالق (مملوءة بالنور) غير مستقلة. فهي خاضعة تمامًا للنور، و النور يفرض على الخليقة قواعده الخاصة و ينقل إليها صفاته. و لكي يجعل الخليقة مستقلة عن الخالق، يجب أن يبتعد عنها تمامًا. بعبارة أخرى، حين تتحرر الخليقة من النور، تكتسب حرية التصرف. يسمى فعل طرد النور من الـكلي الروحي (الوعاء) التقييد.

تبدأ التوراة بكلمات "في البدء" (بِرِشِيت)، و هو بداية عملية إبتعاد الخالق عن الخليقة. كلمة "برشيت" مشتقة من كلمة "بار" – "الخارج". أي أنها تروي الخروج من الخالق إلى حالة منفصلة، بين السماء و الأرض. "في البدء خلق الله السماوات و الأرض." السماء هي سفيرة بينا بخصائصها الإيثارية. الأرض هي سفيرة ملكوت بخصائصها الأرضية، الأنانية. و بين هاتين الخاصيتين المتضادتين، اللتين تشكلان أساس نظام الوجود كله، ترفرف أرواحنا.

تبدأ التوراة بولادة الخليقة، العالم العلوي و صنع الإنسان. لا تبدأ بنهاية الخليقة. وظيفة التوراة هي إعطاء أهل هذا العالم تعليمات حول كيفية الإرتقاء إلى الحالة الفضلى و الأكثر كمالاً. في حالتها الأولى، الخليقة (النفس أو آدم) ليست مصححة. يجب أن تصحح نفسها و تبلغ حالة "التصحيح النهائي". تخيل أن لديك أداة عمل مكسورة و أنت بحاجة إليها للعمل. إذًا عليك أولاً إصلاحها، ثم اٌستخدامها بعد ذلك. هكذا تعلّمنا التوراة كيف نصحح هذه الأداة المكسورة: النفس اللتي تلقيناها من فوق.

خلال التصحيح، يوجد الإنسان بين عالمين: العلوي و السفلي. في عملية التصحيح، تكتسب النفس المهارات و المعرفة و الخبرة الضرورية. و الأهم من ذلك، يكتسب الإنسان أحاسيس جديدة و صفات روحية جديدة. و عندما يصحح الإنسان نفسه بالكامل، يكتسب خصائص تتيح له الوجود في العالم العلوي بكامله، في الأبدية و في السلام و الكمال.

لا المصادر الكابالية و لا التوراة تصف هذه الحالة الخاصة. لأنه من المستحيل وصفها، إذ لا توجد لها نظائر في لغتنا. وحدهم اللذين يجتازون كل حالات التصحيح المسبقة و يصلون إلى التصحيح النهائي يحققون هذه الحالة. و ما وراء التصحيح النهائي لا يوصف في أي مكان. هنا تحديدًا تستقر "أسرار التوراة".

هناك فقط بعض الإشارات في كتب مثل "الزوهار" و التلمود. هذه الحالات الخاصة و السرية تُسمى "معسى مركافا" و "معسى برشيت". لكنها مجرد إشارات. في الواقع، هذه الحالات و المجالات الروحية لا يمكن وصفها بالكلمات، لأن كلماتنا و حروفنا و مصطلحاتنا مأخوذة من نظام التصحيح الخاص بنا و فعالة فقط فيه. فنحن لا ندرك مطلقًا ما يوجد خارج نظام التصحيح، و لا يمكن نقله إلى لغة الإنسان أو إختزاله في منظومتنا من التعاريف و المعتقدات.

في البداية، خلق الله السماء و الأرض" تشير إلى صنع خاصيتين: الأنانية و الإيثار. خاصية الأنانية لـ"الأرض" تُصلح بمساعدة خاصية الإيثار لـ"السماء". عملية التصحيح تتكون من سبعة مراحل، تُسمى "سبعة أيام الخلق". و بطبيعة الحال، هذا إسم اٌصطلاحي. ليس له علاقة بسبعة أيام على الأرض؛ و لا يشير إلى النهار و الليل أو النور و الظلمة على الأرض. بل يشير إلى الحالات الروحية و إلى المشاعر الروحية للشخص اللذي يمر بهذه المراحل للتصحيح. فهو يتحدث عن النظام اللذي يتم فيه تصحيح نفس الإنسان أثناء وجودها في المستوى المسمى "الأرض".

فمن الضروري رفع النفس من مستوى سفيرة مبخوت إلى مستوى سفيرة بينا. هذا يعني أن الخاصية الأنانية لـملخوت يجب أن تتحول إلى خاصية الإيثار لـبينا. يمكن تحقيق ذلك من خلال سبعة تصحيحات متتالية تُسمى "أيام الأسبوع السبعة". تشرح التوراة ما يجب أن يفعله الإنسان مع نفسه "في كل يوم".


اليوم الأول

في البدء خلق الله السماوات و الأرض. و كانت الأرض غير متشكلة و خالية، و كان الظلام على وجه الغمر، و روح الله كان يرف على وجه المياه. و قال الله: "ليكن نور." فكان نور. و رأى الله النور أنه جيد؛ و فصل الله بين النور و بين الظلام. و دعا الله النور نهارًا، و الظلام دعاه ليلًا. و كان مساء و كان صباح، يوم واحد.

ماذا يعني: "و فصل الله بين النور و الظلام"؟ في تصحيحاتنا يجب أن نتبع أفعال الخالق. لذلك، أول وصية يجب علينا تنفيذها هي أن نفرز داخل أنفسنا أفكارنا و رغباتنا لنرى أيها نقي – "سماوات" و أيها مظلم – "أرض". و تسمى هذه العملية "أكارا هارا" (إدراك الشر). يحدث هذا عندما نبدأ من خلال دراسة الكتب الكابالية و من خلال العلاقات في المجموعة الكابالية بتحليل خصائصنا. إن مواجهة الخصائص الروحية و الحيوانية بعضها ببعض، و فصلها و عزلها عن بعضها البعض، هو ما يشكل الخطوة الأولى نحو التصحيح. و هذا هو اليوم الأول في خلق الإنسان لإنسانٍ داخله.


اليوم الثاني

و قال الله: "ليكن جلد في وسط المياه و ليكن فاصلاً بين مياه و مياه." فصنع الله الجلد و فصل بين المياه اللتي تحت الجلد و المياه اللتي فوق الجلد. و كان كذلك. و دعا الله الجلد سماء. و كان مساء و كان صباح، يوم ثانٍ.

بعد أن نفصل داخل أنفسنا بين الصفات الأنانية و الصفات الإيثارية، نحتاج إلى البدء في تصحيحها. و يتم ذلك بإستخدام النور الخاص للخالق، اللذي يبث نوعين من النور: نور حكمة ونور حسد. فباستخدام خاصية نور حسد (الرحمة)، اللتي تُسمى "الماء"، نتقن خاصية العطاء، و الإيثار.

إن "الأرض" هي الخاصية الأنانية في التلقي و اٌمتصاص كل شيء بداخلها و هي طبيعتنا الأولية. و الماء هو خاصية العطاء، و هو يشبع الأرض و يخلق فرصة لظهور الحياة. فخاصية العطاء تصحح الأنانية و تسمح لنا باستخدامها بشكل صحيح، لفائدتنا شخصيا و كذلك لفائدة الآخرين. ففي الأنانية المصححة بالعطاء، يشعر الإنسان بالعالم العلوي (الخالق) و يرى حيواته السابقة و مسار تحقيق هدف الخلق. إن الروح خالدة و تنتقل من جسد إلى آخر. و هكذا، هنا بالتحديد يرى الإنسان كل تقمصاته السابقة. أما اللذي لم يصحح روحه فلا يمكنه أن يشهد أي شيء فوق هذا العالم.


اليوم الثالث

و قال الله: "لتتجمع المياه اللتي تحت السماء إلى مكان واحد، و لتظهر اليابسة." فكان كذلك. و دعا الله اليابسة أرضاً، و مجتمع المياه دعاه بحاراً، و رأى الله أن ذلك حسن. و قال الله: "لتنبت الأرض عشباً و بقلاً يبذر بذراً، و شجراً ذا ثمر يلِد ثمراً كجنسه اللذي فيه بَذره على الأرض." فكان كذلك. فأخرجت الأرض عشباً و بقلاً يبذر بذراً كجنسه، و شجراً يلِد ثمراً اللذي فيه بذره كجنسه؛ و رأى الله أن ذلك حسن. و كان مساء و كان صباح، يوم ثالث.

تجمعت المياه تحت السماء و ظهرت اليابسة. جزء من الأرض البدائية يظهر من بين المياه. و بعد أن تصحح المياه الأرض، تصبح صالحة لظهور الحياة، لأن الأرض الآن تحتوي على خاصيتي الماء و الأرض معاً. فالماء بحد ذاته مدمّر للحياة كما هو الحال مع اليابسة الجافة. تذكَّر كيف أرسل نوح الحمامة من الفلك لتجد أرضاً يابسة. إن التركيبة الملائمة تماماً بين الصفات الإيثارية و الصفات الأنانية لـ"السماء" و لـ"الأرض" داخل نفس الإنسان تشكّل الأساس للإصلاح و لتطبيق صفات الخالق داخل الإنسان.

و هذا التصحيح يسمى "كاف إمتزاي" (الخط الأوسط). فطبيعتنا الأنانية الطبيعية تُسمى الأرض و تمثل الخط الأيسر. أما الخط الأيمن فيمثل صفات الخالق، أي صفات الماء أو الإيثار أو العطاء. أما الخط الأوسط فهو بالضبط ما يحتاجع الإنسان لتحقيقه، أي أن "يختار الحياة". بعبارة أخرى، يجب على الإنسان أن يأخذ من "الماء" بقدر ما يلزم ليجمعه مع "الأرض" بحيث يكمل هذان الخطان بعضهما البعض و يثمران. و من هذا المزج في الصفات تُثمر الأرض "شجرة الحياة" اللتي تمثل الإنسان الروحاني القادر على الإحساس بكامل الخليقة و يعيش في جميع العوالم بسعادة و أبدية.

نحن نوجد أبدياً لأننا نعرّف أنفسنا مع النفس الأبدية و ليس من الجسد الزائل. ثم نبدأ بالإحساس بأنفسنا كروح، ثم نرى جسدنا كقشرة مؤقتة. هذا الإنتقال نحو تعريف الذات بالنفس بدلاً من الجسد هو نفسي بحت و يحدث كلما اٌكتسب الإنسان صفة بِينا.

لقد خُلِقت النفس المشتركة من الإرادة لتلقي اللذة و المتعة، أو ببساطة، "الإرادة للتلقي". هذه الإرادة هي جوهر النفس، و هي تتأثر بِسِتِّ صفات: حسد، جِبورة، تيفيرت، نِيتزَا، هود، و يسود. إن هذه الصفات إخترقت الجوهر - الإرادة للتلقي - و شكّلته بالتناغم مع القوة العليا، الخالق. و السبب في تسمية الإنسان بـ"آدم" هو أن الكلمة مأخوذة من "أدامة"، من الآية "أداميه لإليون" (سأكون مثل الأعلى، إشعياء 14:14). و هذا يشير إلى تشابه آدم مع الخالق - العطاء السامي، و المحبة السامية - القوة العليا اللتي أنجبته.

آدم هو بنية النفس اللتي تتساوى في الشكل مع الخالق، و هو في الدفيكوت (الإلتصاق) معه في جنة عدن. الجنة تعني "رغبة"، و الجنة هي جزء من المخلوق، مادة آدم - أي الإرادة للتلقي. عدن ترمز إلى درجة العطاء، درجة بينا. أما آدم اللذي هو في مرتبة بينا، فهو في جنة عدن.

بِرِشيت (في البدء) تعني أن الخالق خلق ستَّ صفات و الإنسان.

و  توجد جميع تلك الصفات داخل الإنسان،  و اللتي بواسطتها يصبح شبيهاً بالخالق. في الواقع، هذا هو عمل الخلق - بناء الجوهر، الإرادة للتلقي. هذه الصفات تتخلل الإرادة للتلقي حتى يبلغ البناء باعتباره نفساً حالة الخالق.


اليوم الرابع

و قال الله: "لتكن أنوار في جلد السماء لتفصل بين النهار و الليل؛ و لتكن لآيات و لأوقات و لأيام و لسنين؛ و لتكن أنواراً في جلد السماء لتنير على الأرض." و كان كذلك. و صنع الله النورين العظيمين: النور الأكبر ليتسلط على النهار، و النور الأصغر ليتسلط على الليل؛ و النجوم. و جعلها الله في جلد السماء لتنير على الأرض، و لتتسلط على النهار و على الليل، و لتفصل بين النور و بين الظلام؛ و رأى الله أن ذلك حسن. و كان مساء و كان صباح، يوم رابع.

في اليوم الرابع، ظهر النور في جلد السماء ليشير إلى تغيّر النهار و الليل، و الشهور، و السنين. يحدث التصحيح حتى في أصغر جزء من الكون و كذلك في الكون كله بشكل عام. الخلق كله يسمى آدم أو النفس؛ و مكوناته تسمى النفوس الفردية، أو "بني آدم". كل نفس فردية تخضع لنفس مراحل التصحيح كما النفس العامة.


اليوم الخامس

و قال الله: "لتفض المياه زحافات نفس حية، و ليطر طير فوق الأرض على وجه جلد السماء." فخلق الله التنانين العظام و كل نفس حية تدب، فاضت بها المياه كجنسها، و كل طائر ذي جناح كجنسه؛ و رأى الله أن ذلك حسن. و باركها الله قائلاً: "أثمروا و أكثروا و املؤوا المياه في البحار، و ليكثر الطير في الأرض." و كان مساء و كان صباح، يوم خامس.

يصف كتاب الزوهار أن كل يوم هو إقامة "إيخالوت" (المساكن السماوية)، إقامة الفراغ (الرغبة). و مع تصحيح خصائص النفس الأنانية لتصبح إيثارية، تمتلئ تدريجياً بالنور الأعلى. فالأشخاص اللذين مروا بتجربة الموت السريري قد استشعروا جزئياً هذا النور الأعلى، و يصفون لاحقاً حالة سماوية ساحرة من السلام و الفرح. هذا الإمتلاء التدريجي للأماكن الخالية يقود كل النفوس نحو حالة التصحيح النهائي و نحو الكمال. لا يوجد وقت في العالم الأعلى إذ يختفي الوقت لأن جميع هذه الحالات كاملة. و ينطبق الأمر ذاته على سردية التوراة: لا يوجد اٌنفصال في الزمن و كل الأحداث متصلة فقط بعلاقات السبب و النتيجة. سنرى أن الإنسان خُلق في اليوم السادس و وجد فقط لساعات قليلة قبل أن يرتكب خطيئة و يسقط في العالم الأدنى. و معه سقط العالم بأسره.


اليوم السادس

و خلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه؛ ... و قال الله لهم: ... تسلطوا على سمك البحر، و على طير السماء، و على كل دابة تدب على الأرض.

ماذا يعني "على صورته"؟ في التوراة، تُكتب "على صورته" كما يلي: " بِ تسيليم إيلوكيم بارا.." "Be Tselem Elokim Bara...". كلمة "تسيليم" تعني جزءًا من بينا، و اللذي ينحدر من بينا إلى الروح و يمنح الروح خصائص الخالق. بعبارة أخرى، يمثل پارتسوف بينا أداة السيطرة العليا اللتي تتحكم في جميع الأرواح و طرقها و ترتيب تصحيحها. فكل ما يحدث لنا ينبع من بينا.

مالخوت هي مجموعة كل الأرواح اللتي تحتاج إلى تصحيح. و لتصحيح مالخوت، ينبعث من بينا أداة خاصة. تتغلغل في بينا و تتيح لها التصحيح. يُسمى هذا النظام الذاتي للمساعدة، اللذي يتلقاه مالخوت لكل نفس من الأعلى، ”تْسيليم“ – "الصورة". و بذلك نعني مجموعة الخصائص، صورة الخالق.

فبدون توفر المعرفة حول برنامج الخلق و بدون الإحساس بالعوالم الروحية، نحن لا نعرف كيف نتصرف، و لا ما هي الخطوات اللتي يجب إتخاذها. و لا نستطيع أن نفهم ما يُطلب منا. و للحصول على الوسائل الضرورية للتقدم، يجب على الدرجة العليا، بينا، أن تعلمنا ماذا علينا أن نفعل. هذا هو ما يفعله تسيليم (الأداة المساعدة النازلة من بينل) بداخلنا. إنه يغرس نفسه في أرواحنا و يستدعي جميع أنواع التصحيحات الضرورية. و لهذا يقال إن تْسيليم يساعد على تحويلنا إلى بشر.

في اليوم السابع، ارتقى الإنسان أكثر فأكثر. أجرى تصحيحات داخل نفسه ست مرات: حِسِد، جْڤورا، تيفئيريت، نيتساح، هود، يِسود. و تسمى هذه التصحيحات الستُّ المتتالية الأيام الستة أو ستة آلاف عام من الخلق. إن السفيرة الأخيرة (أي مالخوت غير قادرة على تصحيح نفسها. و مع ذلك، بعد أن تمتص مالخوت خصائص السفيرات الست السابقة، تصبح قادرة على تلقي خصائصها. و هذا هو السبب في أن جوهر اليوم السابع هو أن كل ما تراكم و تكوَّن خلال الأيام الستة يدخل في مالخوت. و يعتبر السبت يومًا خاصًا، لأنه في هذه الحالة تمتلئ الأرواح بالنور الأعلى. الشرط الوحيد هو "عدم إعاقة" هذه العملية – و لهذا يُرمز إليه بيوم الراحة.


سؤال: هل يمكننا التأثير على هذه العمليات، "ضغط" الزمن، و تقصير طريقنا نحو هدف الخلق؟

إن الشيء الوحيد اللذي يمكننا فعله هو تسريع عملية السبعة آلاف عام اللتي فُرضت علينا من الأعلى. أولئك اللذين يمكنهم الإقتراب من هذه العملية بشكل فردي، يدخلون العالم العلوي و يكملون الواقع في وقت أبكر. أيضًا، فإن طريق التصحيح نفسه (إذا تم بوعي من خلال بذل الجهود الشخصية) يَشعر به الفرد على أنه انعكاس أو رغبة رومانسية بدلاً من ضربة مستمرة من القدر.

و إذا ندرس بنية و عملية الوجود بكامله لكي نفهم بوضوح كيف يمكننا التدخل و تغيير هذا المسار. بشكل عام، لا يستطيع الإنسان أن يمارس تأثيرًا مباشرًا على جذره/أصوله. فهو موجود في الدرجة السفلى بإعتباره مشتقًا من العليا. و مع ذلك، من خلال تصحيح أنفسنا و من خلال التشبه بجذرنا، نصبح قادرين على تغيير إحساسنا الداخلي بما نتلقاه من الأعلى. فبدلاً من ضربات القدر و المشاكل المستمرة و الصعوبات اليومية، نبدأ في إختبار النعيم، و السلام، و الكمال، و المعرفة التامة. لقد وضعنا الخالق في هذا العالم لكي نتمكن من خلال اٌستخدام الكابالا من إتقان العالم العلوي و بدء التحكم في مصيرنا الشخصي.

و لحسن الحظ، الزمن يعمل لصالحنا. إن زمن الخلاص الداخلي-الروحي و الخارجي-الجسدي للبشرية جمعاء يقترب، و ذلك بحسب مقدمة كتاب الزوهار. و كما أن الإنسان لا يستطيع أن يوجد في عالمنا دون أي معرفة به، فإن روح الإنسان بعد وفاة جسده لا تستطيع البقاء في العالم العلوي دون أن تتلقى بعض المعرفة الأولية حوله. و لهذا السبب فإن معرفة الكابالا تضمن الوجود المريح في عالمنا و تؤكد الوجود الأبدي و الكامل في العالم القادم.


المصطلحات

بِرِشيت 
بِرِشيت (في البدء) تعني أن الخالق خلق ستَّ خصال و الإنسان. و في داخل الإنسان توجد جميع الصفات اللتي يمكن من خلالها أن يصبح شبيهاً بالخالق. في الواقع، هذا هو عمل الخليقة—بناء الجوهر، أي الإرادة في الإستقبال. فهذه الصفات تتخلل الإرادة في الاستقبال حتى تتمكن البنية كروح من بلوغ حالة الخالق.

السبت (شبات)
هذا هو تصحيح الإنسان النهائي، عندما يعود إلى جنة عدن. إنها حالة نتوحد فيها جميعاً في روح واحدة.

جنة عدن
في جنة عدن، نكون جميعاً في عطاء متبادل، و في ضمان متبادل تام. عالم أتصيلوت.

شجرة المعرفة
إن "شجرة المعرفة" هي النور الأعظم. تم تلقيه في البداية بغرض الإستقبال، مما تسبب في اٌنكسار الروح. مستقبلاً، سوف نتلقى ذلك النور و لكن بنية العطاء.